أبو العتاهية

زيزوومى مميز
إنضم
20 أبريل 2009
المشاركات
821
مستوى التفاعل
5
النقاط
520
غير متصل



قال صاحب شرطة المأمون :

دخلت يوما مجلس أمير المؤمنين ببغداد ؛ وبين يديه رجل مكبل بالحديد , فلما رآني , قال لي : يا عباس . قلت : لبيك يا أمير المؤمنين ! قال: خذ هذا إليك , واحتفظ به , وبكر به إلي في غد , فدعوت جماعة فحملوه , ولم يقدر أن يتحرك ! فقلت في نفسي : مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به يجب أن يكون معي في بيتي , فأمرتهم فتركوه في مجلس لي في داري .

ثم أخذت أسأله عن قضيته , وعن حاله , ومن أين ؟ فقال : أنا من دمشق فقلت : جزى الله دمشق وأهلها خيرا , من أنت من أهلها ؟ قال : وعمن تسأل ؟ قلت : أتعرف فلانا ؟ قال ومن أين تعرف ذلك الرجل ؟ قلت وقعت لي معه قضية . فقال ما كنت بالذي أعرفك خبره حتى تعرفني قضيتك معه . فقال : كنت مع بعض الولاة في دمشق , فبغى أهلها , وخرجوا علينا حتى إن الوالي تدلى في زنبيل من قصر الحجاج , وهرب هو وأصحابه , وهربت في جملة القوم .

فبينما أنا هارب في بعض الدروب إذ بجماعة يعدون خلفي , فما زلت أعدو أمامهم , حتى فتهم , فمررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك وهو جالس على باب داره , فقلت : أغثني أغاثك الله . قال : لا بأس عليك ! أدخل الدار . فدخلت , فقالت زوجته : أدخل تلك المقصورة فدخلتها . ووقف الرجل على باب داره , فما شعرت إلا وقد دخل , والرجال معه , يقولون : هو والله عندك .




فقال دونكم الدار فتشوها , ففتشوها حتى لم يبق سوى تلك المقصورة وامرأته فيها ؛ فقالوا : هو هنا ! فصاحت بهم المرأة ونهرتهم , فانصرفوا .

وخرج الرجل وجلس على باب داره ساعة , وأنا قائم أرتجف , ما تحملني رجلاي من شدة الخوف . فقالت المرأة : اجلس لا بأس عليك ! فجلست فلم ألبث حتى دخل الرجل فقال : لا تخف , فقد صرف الله عنك شرهم , وصرت إلى الأمن والدعة . فقلت جزاك الله خيرا , ثم ما زال يعاشرني أحسن معاشرة وأجملها , وأفرد لي مكانا في داره , ولم يفتر عن تفقد أحوالي .

فأقمت عنده أربعة أشهر في أرغد عيش وأهنئه إلى أن سكنت الفتنة , وهدأت . وزال أثرها , فقلت : أتأذن لي في الخروج حتى أتفقد حال غلماني , فلعلي أقف منهم على خبر , فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه .

فخرجت فطلبت غلماني, فلم أعثر لهم على أثر , فرجعت إليه وأعلمته الخبر , وهو مع هذا كله لا يعرفني ولا يسألني , ولا يعرف اسمي , ولا يخاطبني إلا بالكنية .

ثم قال علام تعزم ؟ فقلت : عزمت على التوجه إلى بغداد , فقال : القافلة بعد ثلاثة أيام , وهاأنذا قد أعلمتك .

فقلت له : إنك تفضلت علي هذه المدة , ولك علي ألا أنسى لك هذا الفضل ولأكافئنك ما استعطت .

ثم دعا غلامه وقال له أسرج الفرس , ثم جهز آلة السفر , فقلت في نفسي : ما أظن إلا أنه يريد أن يخرج إلى ضيعة له أو ناحية من النواحي فأقاموا يومهم ذلك في كد وتعب .

ولما حان موعد خروج القافلة جاءني السحر وقال لي قم فإن القافلة تخرج الساعة وأكره أن تنفرد عنها فقلت في نفسي كيف أصنع ليس معي ما أتزود به ولا ما أكتري به مركوبا ثم قمت فإذا هو وامرأته يحملان أفخر الملابس وخفين جديدين وآلة السفر ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدها في وسطي ثم قدم بغلا فحمل عليه صندوقين وفوقهما فرش وقدم إلي فرسا وقال اركب وهذا الغلام معك يخدمك ويسوس مركوبك .

وأقبل هو وامرأته يعتذران إلي من التقصير في أمري , وركب معي يشيعني , وانصرفت إلى بغداد وأنا أتوقع خبره , لأفي بعهدي له في مجازاته ومكافأته ؛ واشتغلت مع أمير المؤمنين , فلم أتفرغ أن أرسل إليه من يكشف خبره , فلهذا أسأل عنه .

فلما سمع الرجل الحديث قال : لقد مكنك الله من الوفاء له , ومكافأته على فعله ومجازاته على صنيعه بلا كلفة عليك , ولا مؤونة تلزمك.

فقلت : وكيف ذلك ؟ فقال : أنا ذلك الرجل , وإنما الضر الذي أنا فيه غير عليك حالي , وما كنت تعرفه مني .

فما تمالكت أن قمت وقبلت رأسه ثم قلت له : فما الذي أصارك إلى ما أرى ؟ قال : هاجت بدمشق فتنة مثل الفتنة التي كانت في أيامك , فنسبت إلي , وبعث أمير المؤمنين بجيوش , فأصلحوا البلد, وأخذت أنا وضربت إلى أن أشرفت على الموت ! وقيدت وبعث بي إلى أمير المؤمنين , وأمري عنده عظيم وخطبي لديه جسيم ؛ وهو قاتلي لامحالة !

وقد أخرجت من أهلي بلا وصية , وقد تبعني من غلماني من ينصرف إلى أهلي بخبري , وهو نازل عند فلان , فإن رأيت أن تجعل من مكافأتك لي أن ترسل من يحضره حتى أوصيه بما أريد ؟ فإن أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة , وقمت لي بوفاء عهدك ! قلت يصنع الله خيرا .

ثم أحضر العباس حدادا في الليل فك قيوده , وأزال ما كان فيه من الأنكال ؛ وأدخله حمام داره , وألبسه من الثياب ما احتاج إليه , ثم أحضر له غلامه .

فلما رآه جعل يبكي ويوصيه , فاستدعى العباس نائبه , وقال : علي بالأفراس والهدايا , ثم أمره أن يشيعه إلى أحد ألأنبار .

فقال له : إن ذنبي عند أمير المؤمنين عظيم , وخطبي جسيم , وإن أنت احتججت بأني هربت بعث في طلبي كل من على باب داره فأرد فأقتل .

فقال العباس : أنج بنفسك ودعني أدبر أمري ! فقال : والله لا أبرح بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك ! فإن احتجت إلى حضوري حضرت .

فقال العباس : إن كان الأمر على ما تقول , فلتكن في موضع كذا , فإن أنا سلمت في غداة غد أعلمتك , وإن أنا قتلت فقد وقيتك بنفسي كما وقيتني .

ثم تفرغ العباس لنفسه وتحنط وجهز له كفنا . قال العباس : فلم أفرغ من صلاة الصبح إلا وقد أرسل المأمون في طلبي , وهم يقولون : هات الرجل معك وقم .

فتوجهت إلى دار أمير المؤمنين ؛ فإذا هو جالس ينتظر . فقال أين الرجل ؟ فسكت ! فقال : ويحك ! أين الرجل ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين . اسمع مني . فقال لي : لله علي عهد لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك ! فقلت : لا والله يا أمير المؤمنين ما هرب , ولكن اسمع حديثي وحديثه . ثم شأنك وما تريد أن تفعله في أمري !قال: قل .

فقلت : يا أمير المؤمنين , كان حديثي معه كيت وكيت . وقصصت عليه القصة جميعها , وعرفته أني أريد أن أفي له . وأكافئه على فعله معي , وقلت : أنا وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين : إما أن يصفح عني فأكون قد وفيت وكافأت , وإما أن يقتلني فأقيه بنفسي . وقد تحنطت . وها هو ذا كفني يا أمير المؤمنين .

فلما سمع المأمون الحديث فال : ويلك , لا جزاك الله عن نفسك خيرا , إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة , وتكافئه بعد هذه المعرفة بهذا؟ هلا عرفتني خبره , فكنا نكافئه عنك , ولا نقصر في وفائك له ! فقلت يا أمير المؤمنين : إنه ها هنا وقد حلف ألا يبرح حتى يعرف سلامتي , فإن احتجت إلى حضوره حضر , فقال المأمون : وهذه منة أعظم من الأولى , اذهب إليه الآن , فطيب نفسه , وسكن روعه , وائتني به حتى أتولى مكافأته .

فأتيت إليه وقلت به : ليزل خوفك , إن أمير المؤمنين قال كذا وكذا !

فقال الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء سواه؛ ثم قام وركب , فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين أقبل عليه , وأدناه من مجلسه وحدثه , حتى حضر الغداء فأكل معه , وخلع عليه , وعرض عليه أعمال دمشق , فاستعفى , فأمر له بصلة , وكتب إلى عامله بدمشق بالوصية به .



أرجو أن تنال إعجابكم .
 

توقيع : أبو العتاهية
8.gif
 
توقيع : مهباج1
مشكوررررررررررررررررر


الله يعطيك العافيةعلى هذا المجهود

جزاك الله كل خير​
تقبل مروري وخالص تحياتي
 
توقيع : فهود1
مشكورين على المرور نورتو الموضوع
 
توقيع : أبو العتاهية
كلهم اصحاب وفاء
يعطيك العافيه
 
توقيع : ammj
مشكور على التعليق جزاك الله خير على المرور
 
توقيع : أبو العتاهية
الله يعطيك العافيه
 
ويعطيكم العافية

مشكورين على الردود الجميلة
 
توقيع : أبو العتاهية
جزاك الله خير يا خواطر أنت وكل من نور الموضوع بمروره ومشاركاته
 
توقيع : أبو العتاهية
بارك الله فيك
 
توقيع : زاكي خان
بارك الله فيك
 
توقيع : احمدابوحجر
وبارك الله فيكم

مشكورين على المرور الطيب
 
توقيع : أبو العتاهية
ما اجمل الوفاء في زمن قل فيه كل شيء

مشكوور اخوي عالموضوع ... تقبل مروري
 
توقيع : ♫►Caramilla►♫
عودة
أعلى